الإفسادتان، طوفان الأقصى، سورة الإسراء

الإفسادتان في سورة الإسراء: قراءة معاصرة في ظل طوفان الأقصى

الإفسادتان في سورة الإسراء: قراءة معاصرة في ظل طوفان الأقصى

د. عصام علي

قراءة معاصرة للإفسادتين في ظل طوفان الأقصى

هل نعيش اليوم زمن تحقق الوعود القرآنية؟ في ظل معركة طوفان الأقصى، تبرز تساؤلات عميقة حول مفهوم ‘الإفسادتين’ المذكورتين في سورة الإسراء، فقد ورَدَت الإفسادتان ل بني إسرائيل في القرآن الكريم بقوله تعالى: “وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً. ثم رددنا لكم الكَرَّة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنينَ وجعلناكم أكثرَ نفيراً. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجدَ كما دخلوه أول مرة وليتبِّروا ما علوا تتبيراً” (سورة الإسراء: 4-7).

في خضم معركة طوفان الأقصى ومن وحيها، نحاول أن نمنح أنفسنا قراءة جديدة لمعنى الإفسادتين وتوقيتهما وكيفية إنهائهما.

الإفسادة الأولى هي قيام دولة إسرائيل على حساب حقوق المسلمين والفلسطينيين تحديداً في أرض فلسطين، منذ عام 1948 وحتى 7 أكتوبر 2023م، ففي هذا اليوم جاء وعد أولاهما، وذلك للقرائن التالية:

 لماذا تعتبر أحداث 7 أكتوبر هي “وعد أولاهما”

ليس منطقياً أن يُرسل الله فاسداً وثنياً كنبوخذ نصّر ليقضي على إفساد مملكة بني إسرائيل القديمة في أورشليم، فهذا الملك لم يأتِ خصيصاً للقضاء عليهم، بل جاء لتوسيع إمبراطوريته على حساب كل بلاد الشام، وحاول التوجّه إلى مصر كذلك لكنه فشل. ورغم أقوال بعض العلماء عن تفسير كلمة “عباداً لنا” بأنها تشمل المسلم والكافر، فالكل عبيد لله وعبادٌ له، إلا أن هناك وحدة بين آيات سورة الإسراء، تجعل “عباداً لنا” من جنس “بعبده” التي بدأت بها السورة. لم يذكر القرآن في وعد أولاهما دخول المسجد. ومع أن نبوخذ نصّر لم تكن وجهته المسجد الأقصى، ولم يستهدفه تحديداً، رغم تدميره له، إلا أن القرآن لم يذكر صلة وعد أولاهما بدخول المسجد الأقصى، وهذا ما حدث في معركة 7 أكتوبر، حيث لم تتمكن كتائب القسام التابعة لحركة حماس من الوصول إلى المسجد الأقصى، كما لم تقدِّم كل قوى المقاومة الفلسطينية أي تغيير إيجابي على أوضاع المسجد الأقصى.

مفهوم “الجوس خلال الديار” ودلالته العسكرية

لم يكتفِ نبوخذ نصر بـ “الجوس” العابر، بل احتل الديار لنصف قرن كامل ودمر أجزاءً واسعة منها. أما ما شهدناه في 7 أكتوبر، فقد كان تجسيداً دقيقاً للمعنى اللغوي والقرآني لـ “الجوس”.

لقد حققت كتائب القسام في غضون خمس ساعات نتائج مذهلة:

  • اقتحام المقرات: سيطر المقاتلون على أهم الثكنات الأمنية والعسكرية في غلاف غزة.
  • دخول المستوطنات: وصل الجوس إلى بيوت المستوطنين في عمق الديار المحتلة.
  • عمليات الأسر: تم أخذ عشرات الأسرى والعودة بهم بسلام إلى قواعد المقاومة.

يتطابق هذا المشهد مع نص آية “وعد أولاهما” بدقة متناهية. فالآية لم تذكر تحريراً كاملاً للأرض، أو تدميراً نهائياً لعلوّ إسرائيل، أو حتى دخولاً للمسجد الأقصى في تلك المرحلة. بل ركزت فقط على فعل “الجوس”، وهو ما نفذته المقاومة حرفياً دون زيادة أو نقصان.

هل تستحق معركة 7 أكتوبر أن يخلدها القرآن الكريم؟ هذا ما نسلِّط عليه الضوء في النقاط التالية:

مقارنة بين حرب أكتوبر 1973 ومعركة القسام في غلاف غزة

وجهت كتائب القسام صفعة تاريخية للاحتلال لم يشهدها منذ 76 عاماً. ورغم تشابه الهجوم مع حرب أكتوبر 1973 التي قادتها مصر وسوريا، إلا أن هناك فروقاً جوهرية تجعل معركة 7 أكتوبر فريدة من نوعها:

  1. فارق القوة العسكرية: القسام فصيل مقاوم محاصر، بينما كانت مصر وسوريا دولاً تمتلك جيوشاً نظامية قوية.
  2. عمق مناطق الاشتباك: لم تصل الجيوش العربية في 1973 إلى عمق المستوطنات كما فعل مقاتلو المقاومة.
  3. الخسائر في وقت قياسي: كبّدت المقاومة الاحتلال خسائر بشرية هائلة في خمس ساعات فقط، وهو ما لم يحدث في أيام الحرب الأولى عام 1973.

وبالنظر إلى عقيدة هؤلاء المقاتلين، نجد أنهم الأقرب لوصف “عباداً لنا” الوارد في سورة الإسراء. فهم صفوة من حفظة القرآن ومصلي الفجر، ولا نزكي على الله أحداً.

الفرق بين “عباداً لنا” و”أولي بأس شديد”

وفي تقديرنا أن صفة “عباداً لنا” مختلفة ومغايرة لصفة “أولي بأس شديد”، فربما يحظى نبوخذ نصّر بالصفة الثانية، أو غيره من الجيوش المعاصرة، لكن عنصر التميز في هذه الحالة هو العبودية لله بما يوحي بالصلاح والتقوى واستحقاق نصر الله لهم، إذ إنهم في هذه المعركة يمثلون جند الله، وكما قال الله تعالى: “وإن جندنا لهمُ الغالبون”.

 الآثار الاستراتيجية والأخلاقية لمعركة 7 أكتوبر

لقد وصف الكثير من المحللين العسكريين عبر وسائل الإعلام المختلفة معركة 7 أكتوبر بكثير من أوصاف الانبهار والإعجاب الشديد، واتفق عدد منهم على أن هذه المعركة تستحق أن تُدَرَّس في الكليات العسكرية لألف سنة قادمة، وهي أوصاف تنسجم مع كونها بشارة إلهية أشار إليها القرآن الكريم منذ ألف وأربعمائة عام وإلى يوم القيامة.

انكشاف الوهن الإسرائيلي وزيف شعارات حقوق الإنسان

لم تكن أحداث 7 أكتوبر مجرد فضيحة عسكرية وأمنية للاحتلال الإسرائيلي فحسب. بل كانت الفضيحة الأكبر هي السقوط الأخلاقي المروع للمنظومة الغربية.

لقد كشفت معركة طوفان الأقصى زيف الشعارات التالية:

  • حقوق الإنسان: التي يتشدق بها الغرب بينما يصمت أمام حرب الإبادة في غزة.
  • الديمقراطية الزائفة: التي تتبناها الولايات المتحدة وهي تدعم القاتل بالسلاح والمال.
  • العدالة الدولية: التي توفر غطاءً سياسياً للمستبد وتتجاهل أنين المظلومين.

 معركة الفرقان المعاصرة

إن ما جرى في غزة هو “الفرقان” الذي ميز بين الحق والباطل. لقد فرقت هذه المعركة بين من ينصر المظلوم بصدق، وبين من يدعم الظلم والاستبداد. إنها مرحلة جديدة من الصراع، تؤكد أن وعد الله آتٍ، وأن “عباداً لنا” هم الجيل القادم لتحقيق البشارة القرآنية.

الإفسادة الثانية

تمثلت الإفسادة الثانية ل بني إسرائيل بالبطش الإسرائيلي الخارق للعادة رداً على معركة 7 أكتوبر 2023، حيث عادت الكرَّةُ لإسرائيل، وحصلت على تأييد ودعم دولي خارق للعادة كذلك، فحصلت على شحنات أسلحة من معظم الدول الغربية، وتسهيلات من الدول العربية والإسلامية، وقوات مقاتلة إلى جوارها من مرتزقة وخبراء عسكريين وأمنيين، وشرعت في تنفيذ أكبر مجزرة في التاريخ معروضة عبر شاشات التلفزة ووسائل الإعلام العالمية.

لقد بدا الرد الإسرائيلي كجملة من الحروب، حيث شنت هجوماً ممنهجاً على كل محافظات ومدن قطاع غزة، وعدد من مدن الضفة الغربية، واشتبكت مع قوات المقاومة الإسلامية اللبنانية واليمنية، وكلما بدت دواعي الانتهاء من المعركة تجددت رغبت قادة إسرائيل في استمرار الحرب وسحق أعدائهم، زاعمةً حرصها على تفكيك المقاومة الفلسطينية وتدمير قدراتها واستعادة أسراها. فلما تعاطت مع مشروع الهدنة الأولى لتبادل الأسرى، كان ذلك بمثابة “أحسنتم لأنفسكم”، ولما رفضت إسرائيل مراراً وتكراراً خطوة مماثلة بعد ذلك وعلى مدار شهور، مما أدى لأن تَضِيق بعض الدول الداعمة لها بها ذرعاً، وتتراجع عن دعمها، وتستمر إسرائيل في حالة استنزاف مستمر لقواتها في الميدان، فكان ذلك بمثابة “وإن أسأتم فلها”.

مستقبل الصراع ووعد الآخرة

ويبدو من صيغة “فإذا جاء” بأن أحداث وعد الآخرة ستكون قريبة جداً من هذه العنجهية الإسرائيلية. وهنا لنا وقفة مع وعد الآخرة:

المدة بين الإفسادتين قريبة جداً، فبينما استغرقت الأولى حوالي 76 سنة، استغرقت الثانية قريباً من سنة واحدة، حيث يفوق حجم الجرائم الإسرائيلية ويتبدى العلو والإفساد الإسرائيلي في هذه السنة كل ما ارتكبته من فساد وعلو في 76 سنة.

إن معركة طوفان الأقصى لن تتوقف قبل أن تسيء وجه إسرائيل بفضح قيمها، وبلوغ انحطاطها مداه، بحيث يأذن الله بزوالها. وهذه نتيجة منطقية، إذ إن أي تهدئة لن تكافئ صبر الناس على أذاها.

وفي وعد الآخرة يتم الحديث عن المسجد. وسياق الآيات السابقة يشير بالضرورة إلى المسجد الأقصى الذي بدأت به السورة. وبينما لم يأتِ الحديث عنه في الإفسادة الأولى، برز بوضوح في وعد الآخرة حيث سيكون دخول المسلمين وكتائب المقاومة الفلسطينية للمسجد الأقصى عنواناً للنصر.

شاء الله تعالى أن يصف دخول المسجد بأنه مشابه تماماً لدخول سابق. لا ندري على وجه اليقين/ هل المقصود به دخول المسلمين سابقاً للمسجد. وهو ما كان إبان الفتح العُمري للقدس، أو إبان تحرير صلاح الدين للقدس؟ أم هو دخول اليهود للمسجد الأقصى. فقد دخلوه منتصرين في حرب عام 1967. وإن كنتُ أرجِّح دخول اليهود للمسجد الأقصى، ليكون الفعل بما يقابله، ويكون المسجد الأقصى هو وجهة هذه المعركة.

 

إن انتصار المقاومة الإسلامية في فلسطين على إسرائيل سيكون انتصاراً تاريخياً بكل معنى الكلمة. حيث تنتهي إسرائيل وآثارها من الوجود جملة واحدة، فينتهي تأثيرها على دول العالم، وينتهي تحكّمها بأمريكا وأوروبا والحكام العرب. الأمر الذي سيجعل هؤلاء جميعهم يتنفسون الصعداء، وكأن جاثوماً قد زال عن صدورهم، مما يجعل من هذا الانتصار الساحق تتبيراً لعلو إسرائيل وإنهاءً لإفسادتهم الثانية والأخيرة.

<p>إن فلسطين أرضٌ باركها الله للعالمين، فما يجري فيها من أحداث ينعكس بركة على العالم، فزوال إسرائيل سيكون له آثار إيجابية كبيرة على العالم كله. وبهذا القدر يكون فعل المقاومة الإسلامية في فلسطين بركةً للعالم كله، وتكون هذه المعركة الحاسمة معركة ربانية تُبهر العالم وتمنحه السلام. ومثل هذه المعركة المقدسة لا يمكن أن تكون على أيدي جيوش عفنة متمرغة في وحل العبودية لحكامها، بل على أيدي ثلة مؤمنة استحقت أن ينسبها الله تعالى إلى ذاته العلية فيقول: “عباداً لنا”.