اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بدولة (إسرائيل) فور إعلانها في الخامس عشر من مايو عام 1948، على إثر انتهاء الانتداب البريطاني، ثم أيدت بقوة انضمامها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي انتقالها إلى مرحلة الدعم المادي المباشر، قدمت الولايات المتحدة قرضاً مهماً جداً للكيان الناشئ؛ بلغت قيمته 135 مليون دولار. وبعد اندلاع الحرب بين العصابات الصهيونية والجيوش العربية؛ كانت القوات الصهيونية في وضع صعب في بدايات القتال، فتحركت كل من بريطانيا وأمريكا على الفور لدى مجلس الأمن لفرض الهدنة الأولى، التي كانت بمثابة الفرصة الذهبية للقوات الصهيونية للتزود بالسلاح والذخائر؛ وإعادة ترتيب الصفوف، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في حسم المعركة فيما بعد لصالح الصهاينة.
وعلى الرغم من المواقف الأمريكية الداعمة لـ(إسرائيل)؛ إلا أن الفترة الواقعة منذ اندلاع حرب العام 1948 حتى منتصف الستينات، قد تميز الموقف الأمريكي خلالها بنوع من الاعتدال والتوازن بين تقديم الدعم لـ(إسرائيل)؛ وبين المحافظة على علاقات وديَّة مع العرب، للمحافظة على مصالحها لديهم.
وهذا الوضع تعاقبت عليه ثلاث إدارات أمريكية خلال تلك الفترة، بنفس السياسات تقريباً مع اختلاف في الحدة والأسلوب.
فقد تميزت فترة إدارة الرئيس هاري ترومان (1945-1953)؛ بضعف الاهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي، بسبب الانشغال بملف الحرب الباردة، عملاً (بمبدأ ترومان 1947)، والذي يقضي: «بتقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لتركيا واليونان، وكل دولة أخرى تتصدى للعدوان»، وذلك في إطار الصراع مع الاتحاد السوفيتي.
كما كانت الولايات المتحدة لا تزال حريصة على الالتزام بتطبيق قرار التقسيم أو بصيغة قريبة منه.
أما خَلَفُه (دوايت آيزنهاور) (1953-1961)؛ فلم تختلف فترة إدارته في علاقتها مع (إسرائيل)، بل شهدت العديد من التوترات، على خلفية بعض المواقف والممارسات الإسرائيلية، التي اعتبرتها الولايات المتحدة تخالف سياستها وتضر بمصالحها في العالم العربي. من ذلك قيام (إسرائيل) بالبدء بمشروع تحويل مياه نهر الأردن عبر قناة بنات يعقوب في عام 1953، أعقبته قيام قوات الاحتلال بارتكاب مجزرة قبية، مما حدا بالولايات المتحدة ولأول مرة لوقف المساعدات عن (إسرائيل). فقد كانت الرؤية الأمريكية تسعى لبناء منظومة تحالفات تضم الدول العربية، على غرار حلف بغداد عام 1955، من أجل مواجهة الخطر السوفيتي. أعقب ذلك وفي نفس العام؛ قيام الاحتلال الإسرائيلي بشن عدوان على غزة.
ثم وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من قبل بريطانيا وفرنسا و(إسرائيل)، مما اضطر الولايات المتحدة للضغط على الأطراف الثلاثة لوقف العدوان والانسحاب من مصر، بعد التهديدات السوفيتية. غير أن ما دفع الولايات المتحدة للضغط على أطراف العدوان، هو قيامهم بالعمل بشكل منفرد ودون التنسيق معها، ما اعتبرته الولايات المتحدة فرصة تاريخية لاستكمال عملية انتقال الإرث التاريخي بين القوى العظمى، حيث مَثَّل فشل بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي، نهاية نفوذهم التقليدي في المنطقة، لصالح الامبراطورية الأمريكية الجديدة.
بقي محور التركيز والاهتمام الأمريكي في تلك الفترة مُنصب حول احتواء التمدد السوفيتي في المنطقة، سيما بعد صفقة السلاح التشيكي لمصر في عام 1955، ومن ثَم صفقة السلاح السوفيتي في عام 1956، ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لنفوذها ومصالحها في المشرق العربي. ما دعا آيزنهاور لإطلاق مبدأه «القاضي بتخويل الرئيس الأمريكي استخدام القوة العسكرية للدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ضد التمدد الشيوعي، وتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة لهذا الغرض».
ولم تتحمس الولايات المتحدة حتى تلك الفترة؛ لرفع وتيرة دعمها لـ(إسرائيل) أكثر من هذا السقف، حيث تلكأت وامتنعت عن الاستجابة لطلبات تزويدها بالسلاح، عقب صفقات السلاح السوفيتي لمصر، وفي هذا الصدد أعلن وزير الخارجية (دالاس) أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ؛ «أنه على إسرائيل ألا تعتمد على السلاح الأميركي في الحفاظ على أمنها، وإنما عليها أن تعتمد على إجراءات الأمن الجماعي طبقاً لمبادئ الأمم المتحدة»، على الرغم من الاحتياج (الإسرائيلي) المُلح للتزود بالسلاح في تلك الفترة.
بعد ذلك جاءت ولاية الرئيس جون كينيدي (1961-1963) -وهو الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة [جاء بعد ذلك جو بايدن الرئيس الحالي]- الذي حافظ على نمط السياسة الأمريكية المتوازنة نسبياً تجاه أطرف الصراع في الشرق الأوسط، غير أن رؤيته لقضايا المنطقة والصراع الدولي كانت مختلفة، إذ كان يرى أن مواجهة الخطر الشيوعي لا يتأتى عبر سياسة المحاور وبناء الأحلاف، بقدر ما يأتي عبر تسوية الصراع العربي (الإسرائيلي)، الذي يُعتبر المُسبب الأول للتوترات في الشرق الأوسط.
وكانت إدارة الرئيس كينيدي نشطة في مساعيها الرامية لإيجاد تسوية للصراع الدائر، من خلال التعامل المتوازن مع الطرفين، غير أن هذه المساعي باءت بالفشك بعد حرب اليمن والسعودية، وما تبعه من تدخل مصري، ما دفع الولايات المتحدة لحسم موقفها لصالح السعودية.
كما شهدت تلك الفترة مزيداً من الفتور في الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل)، حيث تقلصت المساعدات المالية إلى أقل من 37 مليون دولار في العام 1964، وهو أقل من المتوسط العام السنوي للمساعدات الأمريكية التي كانت تتلقاها (إسرائيل) في ظل الإدارات السابقة، والذي بلغ خلال الفترة من 1949 – 1963 حوالي 68.6 مليون دولار سنوياً. هذا مع استمرار السماح أو غض النظر الأمريكي عن (إسرائيل) بالتزود بالسلاح من أطراف أخرى مثل ألمانيا وفرنسا.